مع أسطورة رجل يمني..بوظيفة رئيس

طاهر نعمان المقرمي:
في أخر مارس سنة ستة وسبعين كنا مجموعة صيادين في عرض البحر في رحلة صيد اعتيادية،نتشارك العمل والرزق بذلك المركب الكبير نسبيا..
كنا نبحر في عمق البحر أكثر وأكثر حتى نصل مواضع مناسبة ﻹلقاء الشباك في مناطق تكاثر السمك
كان قائد المركب على وشك ان يهدأ الحركة ويؤشر لنا لنلقيها حين وجدنا المركب الكبير ينشرخ من النصف فجأة بطريقة عجيبة كأنما ضربه فأس كبير من الأسفل ووجدنا انفسنا نواجه الأمواج..الأمواج التي لا ترأف.
تدري تلك اللحظة التي تحس فيها انك تواجه الموت الذي تعرف انه ممكن يأتيك أي لحظة لكن لا تعرف الاحساس نفسه إلا تلك اللحظة التي تواجهه فيها فعلاً.
رحنا بكل ما أوتينا من مهارات السباحة نحاول نسبح تجاه أي نقطة نجاة..لكن تخيل نفسك وسط البحر ..
وسط عمق البحر..وكل ما بقي من مركبكم الكبير مجرد الواح وحبال وشباك ..وقليل من معدات الصيد التي تطفو..وراح أمل النجاة يقل تدريجياً مع إنهاكنا بالسباحة والتعب.
كدنا نسلم الأمر لليأس ..
رحنا نتذكر اهالينا..أصحابنا..حياتنا..كل ما يمكن ان يمر امام عيونك من حياتك وانت في موقف مثل هذا وتسلم لله أمرك.
كنت اقول لربي ساعتها : ( أمانتك زوجتي واولادي يارب..أمانتك أمي!! )
كنت افكر بس كيف بألحق أبي هذيك اليوم ولمن بأترك عيالي..لكن سلمت أمري وأمرهم لله ..و..
فجأة وجدنا صيحات تأتي من عرض البحر..
صيحات وأصوات غير يمنية ..أصوات تصيح وتتكرر لكن لا نفهمها..
ثم رأينا الناس الشقّر ..
رأينا جوارنا تعبر سفينة كبيرة لا ندري كيف اصبحت جوارنا..ربما من إنشغالنا بالسباحة ومصارعة الموج لم أسمعها إلا وقد صارت جوارنا القريب..
كان عليها بحارة شعرهم اشقر وملامحهم غريبة علينا
بدوا لنا كملائكة إنقاذ..
ولا حاجة لأوصف فرحتنا ..أو أصف ما تم بعدها من إنقاذنا من قبل تلك السفينة
السفينة التي عرفنا أنها فرنسية..
منحونا الغذاء والعناية الطبية رغم انهم لم يكونوا يفهموننا الا بالإشارات ولولا وجود عبده قاسم الذي عمل مرة بحار على احدى السفن التي كانت تبحر لمالطا والذي يعرف بعض الفرنسية ما استطعنا نفهمهم من نحن ومن نكون.
وهكذا أنقذونا وحملونا معهم حتى وجهتهم..
حتى دولة الكويت.
هناك ما إن وصلنا وأعلنوا إنقاذنا وقعدنا عدة ساعات في صالة الميناء ..
كنا لا ندري ماذا سنفعل او ماذا سيفعلون بنا وكيف سنعود..مثلما لم ندر ماذا حصل لمركبنا وسبب تحطمه.
قال عبده قاسم وهو يفتل شاربه : ذلحين لازم يبلغوا علينا حقنا السفير يجيء يشوف لنا حل.
لم يكمل حديثه الا وشخص ينادي علينا ويدعونا لمكتب مدير الميناء.
قال لنا بإختصار وهو يقلب اوراق كثيرة أمامه : هناك سيارة من السفارة اليمنية هنا سوف تأتي بعد قليل وقت لتأخذكم .
تفاجأنا كيف علمت السفارة بالخبر..
ترجمت لهفتي بالمعرفة لسؤال وقلت مستغربا : أيش عرفهم السفارة انحنا موجودين بهذي السرعة؟!!
اجابني المدير وهو يحدق بي : السفير شخصياً مهتم بموضوعكم وبمجرد ما نشر الفرنسيون خبر انقاذكم بواسطة سفينتهم اتصلوا السفارة لهنا ..فخلوكم منتظرين هنا حتى يأتوا يصطحبوكم لهناك ولا تتفرقوا او تتحركوا بعيد.
بعد ساعة كنا بالسفارة ..
عرفنا اسم السفير عبدالله الضبي وقتها فقط.
قال وهو يستقبلنا بترحاب كبير : حمدلله على سلامتكم.. الرئيس شخصياً مهتم بأمركم ..
هتفنا كلنا بصوت واحد وتوافق عجيب: الرئيس !!قد وصل خبرنا للرئيس ؟!!
هز رأسه موافقاً وقال وهو يستغرب لإستغرابنا : نعم ..وقد اتصل أول ما عرف بالخبر من الفرنسييين أمس ..وقام بالتوجيه بالإهتمام بكم ورعايتكم واعادتكم على متن أول رحلة لليمن على نفقة الدولة ووجه خطاب شكر لدولة فرنسا لإنقاذكم!
قال عبده قاسم وهو يبدو مبهورا بكل هذا : الله الله ..كل هذا حصل بهذا الوقت ونحن لا ندري بشيء.. الله عليك يا رئيس ..الله يحفظك.
أما أنا فام اكن أدري ما شعوري بالضبط ..هل تعرف يا ولدي حينما تحس ان وراءك ظهر تستند إليه..لما تحس أن وراءك من يهتم بأمرك..لما تحس أن معك دولة هذا هو الذي أحسسنا به..أحسسنا بشيء إسمه باليمن باللهجة المحلية (حسينا ان وراءنا رجال )
بعد أربعة أيام وتاريخ3 أبريل كنا نركب الطائرة
أغلبنا أول مرة يركب طائرة وكنا عائدين الى ارض اليمن..
الى صنعاء..
أنستنا لهفة العودة الخوف منها و تلك القشعريرات التي تنتج من الهبوطات المفاجئة التي قالوا انها بسبب مطبات هواء بالسماء..
حين وصلنا ارض المطار لم نملك دموعنا ونحن نشاهد مطار صنعاء ..نشاهد تراب الوطن..ولقد تعودنا الفرحة ونحن نرى ارصفة الميناء وإحساس الوصول بالسلامة بعد كل رحلة صيد..لكن شعورنا بسلامة الوصول ورؤية تراب الوطن كان مختلفا..مختلفا تماما..ومشحونا بمشاعر بلا حدود.
وفي صالة الإستقبال كان من صنع كل هذي المشاعر داخلنا يستقبلنا شخصياً في نفس المكان الذي يستقبل فيه الرؤساء والزوار لليمن وبحضورعدد من مسؤولي الدولة.
ولا نتذكر هل كانت الدموع التي تغيم عيوننا هي دموع فرحة العودة او دموع هذا الإحتفاء والإهتمام الذي يقل ان يمنحه رئيس لمواطنيه..
لكنه لم يكن غريباً على رئيس لا يتكرر .
وحدث لا يفارق الذاكرة تحكيه لمن بعدك.
رئيس أحب شعبه قولاً وفعلا.
عن رئيس إسمه إبراهيم..
وجدناه كأنه منا ويعرفنا ونعرفه منذ زمن بعيد..تواضع..وابتسامة ولم نشعر أبدا أنه مختلف عنا..بل فؤجئنا بكل هذة الأخلاق والتواضع والبساطة التي تأسرك..بساطة العظماء..
كنا من التبجيل نسبق كل كلمة معه بكلمة الرئيس..
وكان يصر ذلك اليوم أن نناديه بالأخ ..كان يقول كلمته التي لم تبرح ذواكرنا.
أنا مش رئيسكم بس..أنا قبلها أخوكم وخادم الشعب..نادوني بالكلمة التي أحب..نادوني بالأخ ..
الأخ إبراهيم الحمدي.




